التوتر والانفعال أثناء الصيام: كيف تحافظ على هدوئك في رمضان | مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي
English

إدارة التوتر وسرعة الانفعال أثناء الصيام: دليل لشهر رمضان

يُعد شهر رمضان شهرًا ذا أهمية روحية عميقة فهو وقت للتأمل والامتنان والتقرب إلى الله -عز وجل-. ومع ما يحمله من بركات قد تشكل المتطلبات الجسدية للصيام تحديًا للتوازن العاطفي أحيانًا. فالشعور بالانزعاج أو سرعة الغضب أو التوتر خلال ساعات الصيام أمر شائع وفهم أسباب ذلك هو الخطوة الأولى لإدارته بفعالية.

والخبر الجيد هو أن الأبحاث تظهر باستمرار أن صيام شهر رمضان يمكن أن يكون له آثار إيجابية على الصحة النفسية خلال شهر رمضان. فقد وجدت الدراسات أن الصيام يقلل من أعراض القلق والاكتئاب والتوتر لدى الكثير من الأشخاص ويرجع ذلك على الأرجح إلى مزيج من آثار الممارسة الروحية والترابط المجتمعي والشعور بالإنجاز الناتج عن ضبط النفس. ومع ذلك لا يعني هذا أن التجربة دائمًا ما تكون سلسة. فالتقلبات المزاجية المؤقتة خاصة في الأيام الأولى أو خلال ساعات الظهيرة أمر طبيعي تمامًا.

ويستعرض هذا الدليل الأسباب العلمية للانفعال المرتبط بالصيام ويقدم استراتيجيات عملية تساعدك على الحفاظ على التوازن العاطفي طوال هذا الشهر المبارك.

 

لماذا يؤثر الصيام على مزاجك

يساعد فهم الأساس الفسيولوجي للانفعال أثناء الصيام على التعامل معه بتعاطف أكبر تجاه نفسك والآخرين.

انخفاض سكر الدم. عندما تصوم ينخفض مستوى الجلوكوز في الدم بشكل طبيعي مع مرور اليوم. حيث أن الدماغ يعتمد بشكل كبير على الجلوكوز للحصول على الطاقة وانخفاضه قد يضعف قدرتك على تنظيم المشاعر مما يؤدي إلى الانفعال ونفاد الصبر وصعوبة التركيز. يُطلق على هذا الشعور أحيانًا “غضب الجوع”.

الجفاف. يؤثر الجفاف – حتى وإن كان خفيفًا– على الوظائف الإدراكية والمزاج. فقد وجد بحث من مختبر الأداء البشري في جامعة كونيتيكت أن الجفاف يزيد من خطر التقلبات المزاجية والقلق وصعوبة التفكير بوضوح. ومع حلول فترة الظهيرة المتأخرة وبعد ساعات طويلة من دون ماء تصبح هذه الآثار أكثر وضوحًا.

اضطراب النوم. يؤدي تغيير جدول النوم خلال شهر رمضان مثل الاستيقاظ المبكر للسحور والسهر لصلاة التراويح إلى تراكم نقص النوم. ويرتبط الحرمان من النوم ارتباطًا وثيقًا بضعف التنظيم العاطفي وزيادة القلق وارتفاع الانفعال.

الانسحاب من الكافين والنيكوتين. بالنسبة لمن يستهلكون الكافين طوال اليوم أو يدخنون فإن الانقطاع المفاجئ عن هذه المواد خلال ساعات الصيام قد يسبب أعراض انسحاب تشمل الصداع وصعوبة التركيز وزيادة الانفعال.

تكيف الجسم. من الجدير بالذكر أن هذه الآثار تكون أقوى عادة في الأسبوع الأول من شهر رمضان. ومع تكيف الجسم مع الأنماط الجديدة للأكل والنوم يجد الكثيرون أن مزاجهم يستقر بل يتحسن مع تقدم الشهر.

 

استراتيجيات عملية للتوازن العاطفي

يتطلب التعامل مع التوتر والانفعال خلال شهر رمضان مزيجًا من العناية الجسدية والوعي العاطفي.

 

تحسين تغذيتك

ما تأكله خلال ساعات الإفطار يؤثر بشكل كبير على استقرارك العاطفي في اليوم التالي.

في السحور: اختر الأطعمة التي تطلق الطاقة ببطء. تساعد الكربوهيدرات المعقدة مثل الشوفان وخبز الحبوب الكاملة والأرز البني على الحفاظ على مستويات أكثر استقرارًا لسكر الدم طوال اليوم. أضف البروتين من البيض أو اللبن أو الجبن وأضف الدهون الصحية من المكسرات أو الأفوكادو. تجنب الأطعمة عالية السكر أو المعالجة التي تسبب ارتفاعًا سريعًا يتبعه هبوط سريع في سكر الدم.

في الإفطار: رغم أن الإغراء كبير بعد يوم من الصيام، فإن الإفراط في تناول الطعام خاصة الأطعمة الغنية بالسكر والدهون قد يسبب اضطراب النوم ويجعلك تشعر بالخمول في اليوم التالي. لذلك، تناول الطعام باعتدال وركز على وجبات متوازنة ومغذية.

الترطيب: اشرب الكثير من الماء بين الإفطار والسحور. استهدف ثمانية إلى عشرة أكواب. تجنب الإفراط في الكافيين لأنه مدر للبول وقد يعيق النوم.

 

إعطاء الأولوية للنوم

يجعل الحرمان من النوم تنظيم المشاعر أكثر صعوبة. ورغم أن جدول شهر رمضان مرهق، فإن حماية نومك قدر الإمكان ضرورية للصحة العاطفية. استهدف ست إلى سبع ساعات من النوم خلال كل أربع وعشرين ساعة حتى لو كانت موزعة بين الليل وقيلولة قصيرة بعد الظهر. وإذا كان جدولك يسمح بالقيلولة، فيمكن أن تساعد قيلولة قصيرة 20–30 دقيقة بعد صلاة الظهر على استعادة التوازن العاطفي. اجعل بيئة نومك مريحة بحيث تكون مظلمة وباردة وهادئة وتجنب الشاشات لمدة ثلاثين دقيقة قبل النوم.

 

تطوير مهارات التعامل اللحظية

عندما تشعر بارتفاع الانفعال خلال ساعات الصيام فإن امتلاك تقنيات جاهزة للاستخدام يمكن أن يمنع ردود الفعل التي قد تندم عليها.

التوقف قبل الرد. نصح رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بقوله "إذا غضب أحدكم فليسكت." إذ تمنحك هذه اللحظة مساحة بين سبب الغضب ورد فعلك مما يسمح لك باختيار رد محسوب بدلًا من رد اندفاعي.

تغيير وضعيتك الجسدية. الإرشاد النبوي بالجلوس إذا كنت واقفًا أو الاستلقاء إذا كنت جالسًا عند الشعور بالغضب له أساس فسيولوجي. حيث أن تغيير الوضعية يمكن أن يقطع استجابة التوتر ويساعد على تهدئة الجهاز العصبي.

ممارسة التنفس العميق. يساعد التنفس البطيء والعميق عبر الشهيق من الأنف إلى البطن والزفير ببطء من الفم على تنشيط الجهاز العصبي اللاودي الذي يخفف استجابة التوتر. حيث يمكن لثلاثة إلى خمسة أنفاس عميقة تقليل التوتر بشكل ملحوظ.

الاستعاذة وإعادة التركيز. قول "أعوذ بالله من الشيطان" ممارسة راسخة لإدارة الغضب. فبالإضافة إلى بعدها الروحي، تعمل كفاصل معرفي يعيد توجيه تركيزك بعيدًا عن مصدر الانزعاج.

تذكير نفسك "إني صائم." حيث يذكرك هذا التوجيه النبوي بالغاية الروحية للشهر ويُعلم الآخرين بأنك تتعامل مع ظروف تتطلب صبرًا.

 

إدارة بيئتك وتوقعاتك

  • قلل الضغوط غير الضرورية: ابتعد عن المواقف التي تثير الانفعال عادة قدر الإمكان. وتجنب جدولة المحادثات الصعبة أو الاجتماعات الحساسة في فترة بعد الظهر حيث يكون مستوى صبرك في أدنى مستوياته.
  • ضع توقعات واقعية: تقبل أنك قد لا تعمل بكامل طاقتك خلال شهر رمضان. وتعديل توقعاتك وإبلاغ أسرتك وزملائك بذلك يقلل الإحباط لدى الجميع.
  • خذ فترات راحة قصيرة: اقض فترات قصيرة للراحة الذهنية خلال اليوم لتجنب الإرهاق العاطفي. حيث يمكن للمشي قليلًا أو قضاء دقائق من التأمل أو الابتعاد عن المواقف التي تسبب الضغط أن تعيد التوازن.
  • اغسل وجهك: فالوضوء أو غسل الوجه بالماء البارد يساعد على الانتعاش وكسر دورة الانفعال المتصاعد.

 

التركيز على الجانب الروحي

يقدم شهر رمضان أدوات قوية لتنظيم المشاعر تتجاوز الجانب الجسدي.

  • الصلاة كأداة لليقظة الذهنية: يوفر الإيقاع المنتظم للصلاة فرصة طبيعية لإعادة الضبط الذهني. فأداء الصلاة بحضور وتركيز يمكن أن يخفف التوتر بشكل كبير.
  • التأمل والامتنان: يساعد التفكر العميق وتعداد النعم على تحويل حالتك الذهنية من الانزعاج إلى التقدير.
  • الترابط المجتمعي: يقدم الإفطار مع الأسرة أو الأصدقاء أو المجتمع دعمًا اجتماعيًا ويذكرك بأنك لست وحدك في مواجهة التحديات.
  • إعادة تأطير التحدي: تعتبر التعاليم الإسلامية الصعوبات المصاحبة للصيام كفرصة للنمو الروحي. فتصبح لحظات الانفعال فرصًا لممارسة الصبر وهو فضيلة عالية القيمة في الإسلام.

النقاط الأساسية لإدارة التوتر وسرعة الانفعال

  • للانفعال أثناء الصيام أسباب فسيولوجية مثل انخفاض سكر الدم والجفاف واضطراب النوم والانسحاب من الكافين أو النيكوتين.
  • تتحسن هذه الآثار عادة بعد الأسبوع الأول مع تكيف الجسم.
  • تناول وجبات سحور متوازنة تحتوي على كربوهيدرات معقدة وبروتين للحفاظ على استقرار سكر الدم.
  • حافظ على الترطيب الجيد بين الإفطار والسحور بشرب ثمانية إلى عشرة أكواب من الماء.
  • احمِ نومك واستهدف النوم لست إلى سبع ساعات حتى لو كانت متفرقة خلال اليوم والليلة.
  • عندما يرتفع الانفعال توقف قبل الرد، فالصمت يمنع الندم.
  • استخدم التقنيات الجسدية المهدئة مثل تغيير الوضعية والتنفس العميق وغسل الوجه.
  • ذكّر نفسك "إني صائم" لإعادة التركيز على الغاية الروحية.
  • قلل من الضغوط غير الضرورية وضع توقعات واقعية لنفسك.

أكثر من الصلاة والتأمل والترابط المجتمعي كوسائل للدعم العاطفي.

متى تستشير طبيبك

رغم أن بعض التقلبات المزاجية خلال شهر رمضان أمر طبيعي فإن بعض الأعراض تستدعي التدخل الطبي. تحدث مع طبيبك إذا واجهت:

  • مشاعر مستمرة لا تقل حدتها من الحزن أو اليأس أو القلق الشديد.
  • انفعالًا شديدًا يؤثر سلبًا على علاقاتك أو عملك.
  • صعوبة في أداء المهام اليومية بسبب الأعراض العاطفية.
  • تدهور الحالات الصحية النفسية الموجودة مسبقًا مثل الاكتئاب أو القلق أو الاضطراب ثنائي القطب أو اضطراب ما بعد الصدمة.
  • مخاوف بشأن تفاعل الصيام مع الأدوية النفسية.

إذا كان الصيام يضر بصحتك النفسية بشكل كبير فمن المهم معرفة أن الشريعة الإسلامية تعطي رخصة لمن قد تتعرض صحتهم – بما في ذلك صحتهم النفسية – للخطر بسبب الصيام. استشر طبيبك وعالمًا دينيًا موثوقًا لإيجاد نهج يحقق التوازن بين صحتك ودينك.

للحصول على دعم للسلامة العاطفية خلال شهر رمضان يرجى التواصل مع خدمات الصحة النفسية في مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي. حيث يقدم فريقنا من الأطباء النفسيين والأخصائيين النفسيين والمستشارين رعاية رحيمة وسرية للأفراد والأسر.