الدكتور راسل هايلز، رئيس مراكز التميّز، وركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي
تصوّر نفسك تدخل إلى منطقة الاستقبال في مركز لعلاج السرطان، فيُخالجك شعور مشابه لشعورك عند دخول متجر من متاجر "آبل". يستقبلك موظف الاستقبال عند المدخل حاملاً جهازًا لوحيًا وينجز تسجيلك بسلاسة. وبعد لحظات، تجلس مع أحد أربعة أطباء أورام متخصصين يعملون معًا كفريق واحد، تلتقي بكل منهم في اليوم ذاته لمناقشة خطة علاجية متكاملة صُمّمت خصيصًا لمساعدتك على هزيمة المرض.
بالنسبة لمريض السرطان، تمثل هذه الصورة نموذجًا ملهمًا لما ينبغي أن تكون عليه رعاية السرطان: نموذج يضع المريض في المقام الأول. لكن المؤسف أن رعاية السرطان الحديثة في معظم أنحاء العالم، لا تزال مبنية على نموذج تقليدي عفا عليه الزمن، يُقدّم احتياجات النظام الصحي على حساب احتياجات المرضى. وينتج عن ذلك مسار علاجي مجزأ لا يخدم المرضى على النحو الأمثل. وفي المقابل، فإن طب الأورام الدقيق، إلى جانب مستهدفات رؤية المملكة 2030، يفرضان ضرورة إعادة توجيه البوصلة نحو المريض أولًا، لا النظام. وتزداد أهمية هذا التحول في ظل المسار المتوقع لارتفاع معدلات السرطان في المملكة.
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل نحو 28 ألف حالة سرطان جديدة سنويًا في السعودية، موزعة بالتساوي تقريبًا بين النساء والرجال. وتُعدّ سرطانات الثدي والقولون والمستقيم الأكثر شيوعًا، تليها سرطانات الغدة الدرقية، وسرطان الغدد اللمفاوية (اللاهودجكينية)، وسرطان الدم. ومن المتوقع، للأسف، أن تشهد المملكة ارتفاعًا كبيرًا في معدلات الإصابة خلال السنوات المقبلة، إذ تشير بعض التقديرات إلى تضاعف عدد الحالات بين عامي 2020 و2040.
وفي إطار برنامج تحول القطاع الصحي المنبثق عن رؤية 2030، اتخذت المملكة بالفعل خطوات مهمة للاستعداد لهذا الارتفاع المتوقع في معدلات السرطان وغيرها من الأمراض غير المعدية. ومن بين أبرز مستهدفات البرنامج تحسين جودة الرعاية الصحية وجودة حياة المرضى. ولا شك أن هذا يمثل تحديًا — لكنه تحدٍ مرحّب به — لمقدمي الرعاية الصحية، في وقت أصبح فيه علاج السرطان أكثر تعقيدًا مع تطور الطب الدقيق وتعدد خيارات العلاج.
في الماضي، كان مسار علاج السرطان أكثر بساطة وتسلسلًا نظرًا لمحدودية وسائل التشخيص والعلاج. تظهر على المريض أعراض، فيخضع للفحوصات، ثم يحصل على التشخيص. يلي ذلك تحديد مرحلة المرض، ثم يُعالج بناءً على تلك المرحلة، إما جراحة في المراحل المبكرة، أو علاج كيميائي في المراحل المتقدمة. وقد بُني هذا النموذج الخطّي على مفهوم «مرض واحد، علاج واحد»، مع تنظيم الرعاية حول أقسام منفصلة بحسب التخصص، كالجراحة أو طب الأورام أو العلاج الإشعاعي للأورام.
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذريًا. إذ تسهم برامج الفحص المبكر في اكتشاف السرطان قبل ظهور الأعراض. كما أصبح بإمكان المرضى الاستفادة من التحليل الجيني للأورام لفهم كيفية استجابة الورم لعلاجات محددة. وحققت مجالات العلاج المناعي والعلاج الموجّه قفزات نوعية وسّعت نطاق الخيارات العلاجية بشكل غير مسبوق. بل وأصبحت المؤشرات الجينية المستخلصة من الدم قادرة ليس فقط على التنبؤ بالعلاج الأنسب، بل أيضًا على قياس فعاليته قبل أن تظهر التغيرات في الصور الشعاعية.
لقد دخلنا اليوم عصر طب الأورام الدقيق، حيث أصبح العلاج مصممًا وفق خصائص كل مريض على حدة. وبطبيعة الحال، لا يمكن لهذا النوع المتقدم من الرعاية أن ينجح ضمن نموذج مجزأ يركز على النظام بدلًا من المريض. فالمريض يجب أن يكون في صميم كل الجهود، منذ الكشف المبكر والتشخيص، مرورًا بالعلاج، ووصولًا إلى مرحلة التعافي. وهذا هو جوهر نموذج «مراكز التميّز».
إن الرعاية المجزأة، التي تتمحور حول التخصصات بدلًا من المرضى، تخلق أوجه قصور وعدم كفاءة تُرهق كاهل المريض ومقدم الخدمة على حد سواء. فقد يُضطر المريض لإعادة الفحوصات نفسها أكثر من مرة بسبب غياب التنسيق اللحظي بين الأطباء أو عدم تكامل السجلات الطبية. وقد يُطلب منه مراجعة عدة عيادات في أقسام مختلفة وعلى أيام متفرقة. هذا النهج لربما كان مقبولًا في الماضي، عندما كان مسار العلاج أكثر بساطة.
لكن هذا النموذج لم يعد صالحًا لوقتنا الحاضر بما يشهده من تفاصيل معقدة لعلاج السرطان، إذ يفرض على المرضى التنقل المتكرر إلى المستشفى وأخذ إجازات من العمل والابتعاد عن أسرهم. بل والأهم من ذلك، قد تترك الرعاية المجزأة المرضى بمعلومات ناقصة أو متضاربة حول حالتهم وخيارات علاجهم، ما يؤدي إلى انخفاض مستوى الرضا. والأسوأ من هذه كله، أن هذا التشتت قد يطيل المدة بين التشخيص وبدء العلاج، ما يعرّض المريض لخطر تطور المرض خلال تلك الفترة.
لقد آن الأوان لطي صفحة الأساليب القديمة واستبدالها بنموذج رعاية يضع المريض في قلب المنظومة. ويتطلب ذلك من مقدمي الرعاية الصحية إعادة التفكير جذريًا في كيفية تفاعل الأقسام والخدمات وجميع أفراد الفريق الطبي لضمان أن تكون مصلحة المريض هي الأولوية.
ومن أبرز الحلول تبنّي العيادات متعددة التخصصات، حيث تُستبدل الأقسام التقليدية بفرق علاجية متخصصة بحسب نوع المرض. وبهذا، يتمكن مريض السرطان من مقابلة جميع الأطباء المعنيين — كاستشاريي طب الأورام والعلاج الإشعاعي للأورام وعلم الأمراض والجراحة، على سبيل المثال. وبالتالي لم يعد المريض بحاجة لزيارة الاستشاريين الأربعة بشكل منفصل وعلى أيام متفرقة على مدار شهر حسب جداول الأطباء، وهو ما كان يُعدّ دائمًا عملية مُهدرة للوقت والجهد.
كما يمكن لما يسمى بـ "منسق رعاية المرضى"، والذي غالبًا ما يكون ممرضًا، مرافقة المريض من بداية رحلة علاجه إلى نهايتها، مما يوفر للمريض وعائلته جهة اتصال واحدة لتنسيق زيارات المستشفى وإجراء الفحوصات وتثقيفهم حول خيارات العلاج وشرح المصطلحات الطبية المعقدة وغيرها. فبدون وجود هذا المنسق، يقع العبء الإداري والتثقيفي على عاتق الطبيب والمريض بينما ينبغي أن تُركز علاقتهما بشكلٍ كامل على الاحتياجات الأساسية للرعاية.
وقد أظهرت الدراسات أن رضا المرضى عن رعاية السرطان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحسن جودة حياتهم الصحية، إذ يكون المريض الراضي أكثر التزامًا بتوصيات فريقه العلاجي. وفي المقابل، فإن انخفاض الرضا قد يؤدي إلى تراجع الالتزام بالعلاج، ما يؤثر سلبًا على النتائج وربما على فرص التعافي والشفاء.
قد لا يكون من الواقعي أن تتحول جميع مراكز علاج السرطان في المملكة إلى نسخ تحاكي متاجر «آبل» في تصميمها. لكن إذا تبنّى مقدمو الرعاية عقلية «المريض أولًا»، وأنشأوا فرقًا متخصصة وتخلّوا عن النماذج القديمة — كما نفعل نحن في مستشفانا — فإن مرضى السرطان في مختلف أنحاء المملكة سيحظون برعاية أفضل وفرص أكبر للتغلب على المرض.