في مواجهة حالة طارئة لعامل في منصة بحرية أُصيب بأحد أخطر أنواع النوبات القلبية على بُعد أكثر من ساعة من أقرب مستشفى. | مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي
English

الأخبار والفعاليات

سباق عبر البر والبحر والجو: كيف أعادت فرق مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي عاملاً في منصة بحرية إلى الحياة بعد إصابته بأحد أخطر أنواع النوبات القلبية

بحلول الوقت الذي عبرت فيه المروحية الطبية أجواء الظهران، كان الفريق الذي سيتولى إنقاذ الشخص المنقول على متنها قد أصبح في كامل جاهزيته داخل المركز، مستعدًا لاستقبال شخص لم يلتقِ به معظمهم من قبل. هذه الجاهزية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت ثمرة تنسيق متكامل بدأ قبل أكثر من ساعة، عندما شعر جمال عبدالله الهلال البالغ من العمر 41 عاماً، والذي كان يعمل في إحدى المنصات البحرية، بألم مفاجئ وحاد في صدره.

كانت الحالة عبارة عن احتشاء عضلة القلب المصحوب بارتفاع مقطع ST (STEMI)، وهو أحد أخطر أنواع النوبات القلبية التي تتطلب تدخلاً عاجلًا دون أي تأخير. وينتج هذا النوع من الجلطات عن انسداد كامل ومفاجئ في أحد الشرايين التاجية الرئيسية، ما يحرم جزءًا من عضلة القلب من الدم والأكسجين. ومنذ اللحظة الأولى للانسداد، تبدأ خلايا القلب بالموت تدريجيًا، لتصبح كل دقيقة تمر دون علاج حاسمة في تحديد فرص النجاة والتعافي.

في تلك المنصة المحاطة بالمياه المفتوحة، وعلى بُعد أكثر من ساعة من أقرب مستشفى، أصبحت حياة جمال تعتمد على سلسلة رعاية متصلة لا تحتمل تأخيرًا أو خللًا في أي مرحلة من مراحلها.

بدأت هذه السلسلة من موقع الحادث نفسه، حيث سارع الفريق الطبي في المنصة إلى إجراء تخطيط كهربائية القلب (ECG)، الذي أكد الإصابة بالنوبة القلبية. وعلى الفور باشر الفريق تقديم العلاج اللازم والعمل على استقرار حالته، ما أسهم في كسب دقائق ثمينة أثبتت لاحقًا أهميتها الحاسمة في إنقاذ حياته. وفي الوقت نفسه، جرى تفعيل الإخلاء الطبي الجوي العاجل (MEDEVAC) لنقله إلى مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي في الظهران.

وفي مثل هذه الحالات التي تقع في مواقع نائية، لا يكون انتظار وصول المريض إلى المستشفى خيارًا مطروحًا. لذلك، وبينما كانت المروحية لا تزال في طريقها، فعّل مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي منظومة الاستجابة المتكاملة لديه، حيث تلقّت الفرق المختصة إخطارًا مسبقًا بالحالة، وبدأ كل من قسم الطوارئ ومختبر القسطرة القلبية استعداداتهما بالتوازي. ونتيجة لذلك، كان الفريق الطبي المختص على أهبة الاستعداد لاستقبال المريض والتعامل مع حالته فور وصوله.

وفور وصوله إلى المستشفى، نُقل جمال مباشرة من مهبط الطائرات إلى مختبر القسطرة القلبية، حيث كانت الفرق الطبية بانتظاره. وأظهرت الفحوصات إصابته بانسداد كامل في الشريان الأمامي النازل الأيسر (LAD)، وهو أحد أهم الشرايين التاجية والمسؤول عن تغذية ما يقارب نصف عضلة القلب. ويُعرف هذا الشريان بين الأطباء باسم "صانع الأرامل" (Widowmaker)، لما يرتبط به من خطر مرتفع للوفاة عند حدوث انسداد كامل فيه دون تدخل علاجي سريع.

وأجرى فريق أمراض القلب تدخلاً علاجياً طفيف التوغل، تم خلاله إدخال قسطرة عبر أحد شرايين المعصم، وإزالة الانسداد، ثم تركيب دعامة لإعادة تدفق الدم إلى عضلة القلب. وتمكن الفريق من إعادة فتح الشريان خلال 61 دقيقة فقط، وهذا زمن يقل بكثير عن المعيار الدولي المعتمد لعلاج هذا النوع من النوبات القلبية والبالغ 90 دقيقة، وقد شكّل هذا الفارق الزمني عاملاً حاسماً في إنقاذ حياة جمال.

وقال الدكتور علي الشهري، استشاري أمراض القلب في مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي: "في مثل هذه الحالات، يبدأ إنقاذ حياة المريض قبل وصوله إلى المستشفى. فقد أسهم تشخيص الفريق الطبي في المنصة للحالة مبكراً، وبدء العلاج، والمحافظة على استقرار المريض أثناء نقله جواً، في تمكين فريق أمراض القلب من التدخل بالسرعة والدقة اللتين تطلبتهما الحالة. وتمكنا من إعادة فتح الشريان الأمامي النازل الأيسر خلال نحو ساعة، وهي مدة تقع ضمن الإطار الزمني المنقذ للحياة."

أما جمال، فقد خرج من هذه التجربة برسالة شخصية واضحة، قائلاً: "لم أتخيل يوماً أن النوبة القلبية قد تصيب شخصاً في مثل سني، فقد كنت أعتقد أنها تحدث للآخرين فقط. وأتمنى أن يدرك كل من يعمل في المواقع البعيدة مدى سرعة تغير الأمور، وأهمية التصرف فور ظهور الأعراض. لقد أعادت لي الرعاية التي تلقيتها حياتي، وآمل أن تذكّر قصتي الآخرين بعدم تجاهل العلامات التحذيرية."

لم تنتهِ رحلة التعافي بنجاح العملية، بل بدأت مرحلة جديدة من العلاج والتأهيل. فالتحق المريض ببرنامج إعادة تأهيل القلب في مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي. وعلى مدى ستة أشهر، خضع لبرنامج متكامل ركّز على استعادة لياقته البدنية وتعزيز صحته النفسية وتحسين نمط حياته وعاداته الغذائية، حتى أصبح جاهزاً للعودة إلى عمله وممارسة حياته الطبيعية بثقة.

وما يجعل هذه القصة استثنائية ليس لحظة واحدة من التميز، بل نجاح كل حلقة في سلسلة الرعاية في أداء دورها بسلاسة وإتقان. فمن الفريق الطبي في المنصة البحرية، إلى طاقم الإخلاء الطبي الجوي، مروراً بفرق التنسيق في المستشفى وقسم الطوارئ وفريق أمراض القلب، أدّى كل طرف دوره بكفاءة وثقة كاملة في جاهزية الفريق الذي يليه. ولم يكن لأي منهم أن يحقق هذه النتيجة بمفرده، بل كان نجاحهم ثمرة عمل جماعي متكامل بدأ منذ اللحظات الأولى واستمر حتى مرحلة التعافي.

واليوم، عاد جمال إلى المنصة نفسها التي كاد أن يفقد فيها حياته. ولم تعد المسافة الفاصلة بينه وبين اليابسة مصدر قلق أو عائقاً أمام حصوله على الرعاية، بل أصبحت مجرد جزء من بيئة عمله اليومية. وبالنسبة لكل من أسهم في إنقاذه، تمثل قصته دليلاً واضحاً على أن الموقع الجغرافي لا يحدد مصير المرضى عندما تعمل جميع حلقات الرعاية بتناغم واستعداد دائم، وتكون كل دقيقة محسوبة في سبيل إنقاذ الحياة.