قوانين التبغ الجديدة: ماذا يمكن أن تتعلم دول الخليج؟ | مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي
English

الأخبار والفعاليات

التدخين في الخليج — ماذا يمكن أن نتعلم من قوانين المملكة المتحدة وأستراليا الجريئة؟

تصنّف منظمة الصحة العالمية التدخين ضمن أبرز المخاطر الصحية، حيث تشير إلى أن "وباء التبغ أحد أكبر التهديدات الصحية العامة التي واجهها العالم على الإطلاق"، وهي بدون شك على حقّ! فالتبغ يتسبّب في وفاة أكثر من 7 ملايين شخص كل عام، بمن فيهم 1,6 مليون شخص من غير المدخنين نتيجة تعرضهم للتدخين غير المباشر. لكن، على الرغم من ذلك، ما زالت دول مجلس التعاون الخليجي تسجّل معدلات مرتفعة تدقّ جرس الإنذار، لا سيّما أنّ التوقّعات تشير إلى استقرارها أو حتّى تزايدها في أربعة من الدول الأعضاء الستّ.

ويجدر التوقف هنا عند تطورين مهمين في سياسات الصحة العامة حدثا خارج المنطقة مؤخرًا، لما لهما من قيمة في إثراء النقاش حول كيفية تصدي دول مجلس التعاون الخليجي للتدخين وما يسببه من معاناة صحية واجتماعية. فخلال الشهر الماضي، أقرّت المملكة المتحدة تشريعًا غير مسبوق يحظر بيع منتجات التبغ لأي شخص وُلِد بعد عام 2008، مانعُا بذلك ممن تبلغ أعمارهم 17 عامًا من شراء السجائر بشكل قانوني.

وبحسب الحكومة البريطانية، يُعدّ قانون التبغ والسجائر الإلكترونية (الفيب) أهمّ خطة إصلاحية في مجال الصحة العامة تُشرَّع منذ عقود، لا سيّما أنّ المملكة المتحدة تنفرد بين الدول الكبرى في تطبيق حظر صارم من هذا النوع على بيع التبغ (تجدر الإشارة إلى أنّ جزر المالديف، الأقل سكانًا بكثير، كانت قد اتّخذت خطوة مشابهة في أواخر العام الماضي).

على غرار دول مجلس التعاون الخليجي، تسعى المملكة المتحدة إلى إعادة تشكيل نظامها الصحي، والانتقال به من نموذج يركز على علاج المرض إلى نموذج يقوم على الوقاية منه. ويكمن العائد على المرضى من هذا التحول الجوهري في زيادة كبيرة في متوسط العمر المتوقع، فيما تجني الدولة فوائد هائلة تتمثل في خفض الأعباء المالية عن نظام صحي مثقل أصلًا بالضغوط. وتُعدّ مكافحة الأمراض "التي يمكن الوقاية منها" — أي تلك التي يمكن الحد منها إلى حد كبير عبر تنفيذ تدخلات تستهدف الصحة العامة على مستوى السكان، مثل أمراض القلب وسرطان الرئة والسكتات الدماغية المرتبطة باستخدام التبغ — محورًا أساسيًا لتحقيق هذا الهدف.

فوفقًا لما تشير إليه بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2025، بلغت نسبة البالغين من المدخنين أو مستهلكي التبغ 19.2% في الكويت وحوالي 15% في مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية، مقابل 13% تقريبًا في قطر ونحو 9% في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان. أمّا بحلول عام 2030، فتتوقّع المنظمة انخفاض معدلات استهلاك التبغ في البحرين والإمارات واستقرارها في الكويت وقطر، مقابل ارتفاعها بشكل طفيف في عُمان والمملكة العربية السعودية.

وليس من المستغرب أن تعاني الدول التي تسجل معدلات مرتفعة من التدخين من أعلى نسب الوفيات المرتبطة به. ففي عام 2023، سجّلت الكويت أعلى معدل للوفيات المرتبطة بالتدخين بين دول مجلس التعاون الخليجي، بنسبة قاربت 12%، تلتها البحرين بنسبة 11.4%، وذلك وفقًا لبيانات معهد القياسات الصحية والتقييم. وفي كلٍ من قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، بلغت نسب الوفيات 9.1% و6.4% على التوالي، تلتها المملكة العربية السعودية بنسبة 6%، ثم سلطنة عُمان بنسبة 5.4%. كما تشير البيانات إلى أن الوفيات المنسوبة إلى التدخين غير المباشر تكون عادةً أعلى في الدول التي تشهد معدلات استخدام مرتفعة لمنتجات التبغ.

يبعث ما تسعى المملكة المتحدة إلى تحقيقه من خلال حظر بيع منتجات التبغ على قدر كبير من التفاؤل. ومع ذلك، يبقى من الضروري موازنة أي تدخل في مجال صحة السكان مع الأثر الذي قد يتركه على الحريات الفردية — وفي هذه الحالة، المفاضلة بين المشكلات المجتمعية الناجمة عن التدخين وحق الفرد في اختيار التدخين من عدمه. فعلى سبيل المثال، يرى بعضهم أن الأهمية الثقافية للشيشة (أو الأرجيلة) في دول مجلس التعاون الخليجي تبرر استثناءها من أي حظر على المبيعات، شريطة فرض ضوابط صارمة تحمي غير المدخنين من التعرض للتدخين غير المباشر.

لكن من حيث المبدأ، لا توجد في الواقع أي سمة إيجابية يمكن تبريرها لاستخدام التبغ. فالتدخين شديد الإدمان، ويزيد بشكل كبير من مخاطر الوفاة المبكرة. كما أن التدخين غير المباشر يودي بحياة أشخاص لم يشعلوا سيجارة واحدة في حياتهم — بمن فيهم الأطفال. ويشكّل التدخين عبئًا هائلًا على النظام الصحي، نظرًا لما يسببه من معدلات مرتفعة من المرض.

ومن اللافت أن القانون البريطاني الجديد يتعامل مع السجائر الإلكترونية بصورة مختلفة تمامًا عن التدخين التقليدي. فلم تفرض المملكة المتحدة حظرًا على بيع هذه المنتجات، وإن كانت قد أقرت إجراءات أخرى تهدف إلى الحد من استخدامها. ويبدو أن حجة «حق الفرد في الاختيار» قد رجحت كفتها هنا على حساب اعتبارات الصحة العامة، إذ إن الأبخرة المنبعثة من السجائر الإلكترونية لا تحتوي على القدر نفسه من المواد السامة والمسرطنة الموجودة في دخان السجائر التقليدية الذي يضرّ بالآخرين عبر التدخين غير المباشر.

لا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن التدخين الإلكتروني عادة جديرة بالتشجيع — بل على العكس تمامًا. فمستويات النيكوتين في السجائر الإلكترونية تكون في الغالب أعلى بكثير منها في السجائر التقليدية، ما يجعل المستخدمين عرضة للإدمان بسرعة. كما أن النيكوتين بحد ذاته قد يؤثر سلبًا في نمو الدماغ لدى من هم دون سن الخامسة والعشرين. وتحتوي السجائر الإلكترونية كذلك على مواد كيميائية ضارة أخرى يمكن أن تُلحق أذىً بالرئتين. وإلى جانب ذلك، لا تزال الأبحاث الطبية غير كافية لفهم الآثار الصحية طويلة المدى للتدخين الإلكتروني؛ فغياب المعرفة لا يعني بالضرورة غياب الخطر.

أما استراليا فتتبنى نهجًا أكثر تشددًا في التعامل مع السجائر الإلكترونية. فمنذ يوليو 2024، صنّفت هذه المنتجات على أنها سلع علاجية لا يُسمح ببيعها إلا عبر الصيدليات، وليس في متاجر السجائر الإلكترونية أو متاجر البقالة أو غيرها من منافذ البيع. ويُلزم المشترون بإبراز بطاقة الهوية للصيدلي للتأكد من أنهم بلغوا سن الثامنة عشرة، كما يتعين على الصيدلي مناقشة بدائل الإقلاع عن التدخين أو سبل التعامل مع الاعتماد على النيكوتين. وتقتصر نكهات السجائر الإلكترونية على التبغ والمنثول والنعناع، في حين يخضع تغليف هذه المنتجات لمعايير صارمة مماثلة للمعايير الدوائية.

وعليه، يجب أن يسترشد صنّاع السياسات في دول مجلس التعاون الخليجي بكل من قانون حظر بيع منتجات التبغ في المملكة المتحدة والسياسات الأسترالية للحد من انتشار السجائر الإلكترونية. فعلى المستوى المجتمعي، تؤدي مؤسسات الرعاية الصحية - مثل مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي، دورًا جوهريًا في دعم مكافحة التدخين. فعلى سبيل المثال، يقدّم المركز - على غرار مستشفيات أخرى - العديد من المبادرات الهامّة وأبرزها برنامج الإقلاع عن التدخين الذي يعرّف المرضى على بدائل النيكوتين، ويقدّم لهم الاستشارات الصحية اللازمة، ويقود حملات التوعية المجتمعية لتعزيز الأثر. وقد نجح البرنامج في علاج أكثر من 500 مريض خلال العام الماضي.

ومؤخرًا، اختار مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي إحدى المريضات تدعى عائشة لتكون "سفيرة" البرنامج وتتحدث عن تجربتها الخاصة بما تسبّب لها التدخين من أضرار صحية ملموسة، حيث أصيبت بسرطان الرئة وتحدثت من سرير المستشفى عن كل ما عانته نتيجة الإدمان وما رافق ذلك من صعوبة في التنفّس وأرق وقلق، عدا عن الآثار الجانبية للعلاج الكيميائي. وتُعدّ قصتها تذكيرًا مؤثرًا بأنّ سياسات التدخين تخفي وراءها معاناة بشرية حقيقية.