بعد عقدين من الأعراض المتزايدة التي ظلت إيمي تلوم نفسها عليها لسنوات، وجدت في مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي فريقًا استمع إليها وفهم ما كانت تمر به، وكشف من خلال الجراحة الروبوتية السبب الخفي وراء أعراضها، وساعدها على استعادة قدرتها على الاستمتاع بحياتها.
عندما أُدخلت إيمي، وهي أمريكية تبلغ من العمر 52 عامًا ومقيمة في المملكة العربية السعودية، إلى المستشفى للمرة الأولى بسبب التهاب الرتوج في سن 31 عامًا، قبل انتقالها إلى المملكة بسنوات، لم تكن تعلم وقتها أن تلك اللحظة ستكون بداية رحلة طويلة مع المرض ستستمر على مدى العقدين التاليين من حياتها.
التهاب الرتوج هو حالة تتكوّن فيها جيوب صغيرة تُسمّى الرتوج في جدار القولون، وقد تتعرض هذه الجيوب للالتهاب أو العدوى. وفي حالة إيمي، كان المرض يسبب لها نوبات متكررة من الألم والانتفاخ وصعوبة تناول بعض الأطعمة. كانت الأعراض تهدأ لفترة، ثم تعود فجأة دون سابق إنذار. وقد شخّص الأطباء حالتها بأنها التهاب رتوج مزمن ومتكرر، حيث تستمر النوبات في العودة رغم العلاج ومحاولات السيطرة على الأعراض.
تستعيد إيمي ذكريات تلك السنوات قائلةً: "كنت أجد صعوبة في تناول بعض الأطعمة، حتى تلك التي كنت أتناولها بشكل طبيعي في السابق. فبدأت أدوّن كل ما آكله، وأستبعد يومًا بعد يوم المزيد من الأطعمة التي كنت أعتقد أنها تسبب لي الألم، ومع ذلك لم أكن أفهم لماذا كان جسمي يتفاعل بهذه الطريقة طوال الوقت. ولسنوات، اعتقدت أنني سبب المشكلة، وأنني بالتأكيد أفعل شيئًا خاطئًا".
نقطة التحول كانت عندما تم تشخيص صديقة مقربة لها لم تتجاوز الأربعين من عمرها بسرطان متقدم في القولون. هذا الأمر أثار مخاوف إيمي فورًا، لأنه بحسب أبحاث أجرتها الجمعية الأمريكية للسرطان في خمسين دولة، جاء معدل الإصابة بسرطان القولون والمستقيم مرتفعًا في أكثر من نصف تلك الدول، لا سيما عند البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و49 عامًا. ووفقًا لهذه النتائج، لم يعد من الممكن بحسب الجمعية وصف المرض بأنه يصيب كبار السن فقط، مما دفعها لحجز موعد عند طبيب الرعاية الأولية في مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي، وبعد أن شرحت له حالتها قام بإحالتها إلى الدكتور محمد العوامي، استشاري الطب الباطني وأمراض الجهاز الهضمي في المركز.
وانطلاقًا من نهج الرعاية المتكاملة والمتمحورة حول المريض في مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي، لم ينتظر فريق أمراض الجهاز الهضمي اكتمال نتائج الفحوصات، بل أشرك الدكتور رضوان أحمد مبكرًا في تقييم حالتي، وهو زميل الكلية الأمريكية لجراحي القولون والمستقيم، وأحد الجراحين القلائل في المملكة ممن حصلوا على الزمالة في هذا التخصص من الولايات المتحدة. وهكذا، كان الفريق الجراحي على دراية بحالتي منذ البداية ومستعدًا للتحرك سريعًا ووضع الخطة العلاجية المناسبة بمجرد اكتمال الصورة التشخيصية.
تقول إيمي: "منذ لقائي الأول مع الدكتور رضوان، شعرت أن هناك من يستمع إليّ حقًا ويفهم ما أمرّ به ويأخذ معاناتي على محمل الجد. لم يكن يبحث فقط عن علاج للأعراض، بل كان حريصًا على معرفة السبب الحقيقي وراء حالتي، حتى نتمكن معًا من تحديد العلاج الأنسب".
ومن خلال الاستماع إلى إيمي وفهم تفاصيل معاناتها التي امتدت لسنوات، بدأ الفريق في ربط خيوط حالتها والبحث عن السبب الحقيقي وراء الأعراض. ولأن هذه الأعراض كانت تأتي وتختفي، كان من الصعب الوقوف على المشكلة عندما تُجرى الفحوصات في الأوقات التي كانت تشعر فيها بأنها بخير. لذلك، نصحها الفريق بالتوجه إلى قسم الطوارئ عند اشتداد الأعراض، ليتمكن الأطباء من تقييم ما يحدث أثناء النوبة نفسها.
وبالفعل، عندما تعرضت إيمي لنوبة ألم شديدة، كشفت الفحوصات ما كان الدكتور رضوان يشتبه به: جزء متضرر من القولون يحتاج إلى تدخل جراحي، بالإضافة إلى التهاب شديد استدعى إدخالها إلى المستشفى.
أُجريت العملية بمساعدة الروبوت في مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي، وخلالها اكتشف الدكتور رضوان تفاصيل لم تكن ظاهرة في صور الأشعة. فقد وجد التصاقات ونسيجًا ندبيًا داخليًا كثيفًا، فقام بتحرير الالتصاقات وإزالة النسيج الندبي، ثم استأصل الجزء المتضرر من القولون والجزء العلوي من المستقيم، قبل إعادة وصل الأجزاء السليمة من القولون.
وتبيّن أن هذا النسيج الندبي يعود إلى جراحة كبرى في البطن كانت إيمي قد خضعت لها قبل 15 عامًا، تسببت في تثبيت القولون في عمق الحوض وانحنائه بشكل حاد يشبه دبوس الشعر. وهنا، بعد سنوات من البحث عن إجابة، اكتملت الصورة أخيرًا. فقد كشف هذا الاكتشاف السبب الكامن وراء الأعراض التي رافقت إيمي لسنوات، وفسّر لماذا لم تنجح محاولاتها السابقة لتخفيفها من خلال تغيير نظامها الغذائي أو نمط حياتها.
وكان للجراحة الروبوتية دور مهم في التعامل مع تعقيدات حالة إيمي. فالجراحة الكبرى التي خضعت لها سابقًا تركت وراءها أنسجة ندبية كثيفة، ما جعل العمل في المساحات الضيقة والعميقة من الحوض أكثر صعوبة. وبفضل ما توفره الجراحة الروبوتية من رؤية مكبرة وعالية الدقة وتحكم دقيق بالأدوات الجراحية، تمكن الدكتور رضوان من التعامل مع هذه التعقيدات بدقة أثناء العملية.
ويوضح الدكتور رضوان: "كانت العملية أكثر تعقيدًا بسبب طبيعة حالة إيمي والتغيرات التي خلفتها جراحتها السابقة. وقد منحنا النظام الروبوتي الدقة والتحكم اللازمين لتحرير القولون بأمان من الالتصاقات والأنسجة المحيطة به، خاصة في المساحات الضيقة والعميقة من الحوض".
وكانت هذه الخبرة جزءًا من مسيرة طويلة للدكتور رضوان في جراحة القولون والمستقيم. ففي عام 2023، أسس برنامج الجراحة الروبوتية للقولون والمستقيم في مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي بالتعاون مع جامعة جونز هوبكنز بأمريكا. ومنذ ذلك الحين، أجرى في المركز نحو 200 عملية استئصال للقولون والمستقيم بمساعدة الروبوت، إلى جانب أكثر من 1,000 عملية بالمنظار، بعد مسيرة مهنية في هذا التخصص في الولايات المتحدة.
وبعد العملية، تقول إيمي: "عندما أخبرني الدكتور رضوان بما اكتشفه أثناء الجراحة، لم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد تشخيص طبي، بل كان تفسيرًا لسنوات طويلة قضيتها وأنا ألوم نفسي على ما كنت أعانيه. شعرت أن هناك من فهم معاناتي، وأدركت أن ما مررت به لم يكن بسبب خطأً ارتكبته، بل كانت هناك مشكلة حقيقية في جسمي تم علاجها أخيرًا".
وسارت رحلة تعافي إيمي وفق الخطة العلاجية، إذ أمضت أربعة أيام في المستشفى بعد الجراحة، وعادت إلى ممارسة الأنشطة الخفيفة بعد ستة أسابيع، وبحلول الأسبوع الثامن كانت قد عادت إلى روتين حياتها المعتاد.
وتقول مبتسمة: "أشعر اليوم بأنني في أفضل حالاتي. لم أكن أدرك حجم ما كنت أعانيه، لأن الأعراض تراكمت تدريجيًا على مدى سنوات. وأشعر أيضًا بالسعادة والامتنان لكل نشاط أستطيع القيام به من جديد، مهما كان بسيطًا. والآن، بعد ثمانية أسابيع من العملية، لا أذكر متى كانت آخر مرة شعرت فيها بهذا القدر من الراحة والعافية".
وتختتم إيمي قصتها برسالة إلى كل من يعاني أعراضًا صحية غير مفسّرة أو يشعر بأن معاناته لا تؤخذ على محمل الجد: "لا تتوقف عن البحث عن إجابات، ودافع عن نفسك حتى تصل إلى التشخيص والرعاية التي تستحقها. وإذا كان من الصعب عليك أن تروي قصتك كاملة، فاصطحب معك شخصًا يساعدك على إيصالها. وابحث عن طبيب يستمع إليك ويكون شريكًا حقيقيًا لك في رحلة العلاج. هؤلاء الأطباء موجودون، وقد يغيّر العثور على الطبيب المناسب حياتك نحو الأفضل".
إذا كنت تعاني من أعراض هضمية متكررة، أو ترغب في معرفة المزيد عن صحة القولون والمستقيم وخيارات الفحص والكشف المبكر، يمكنك التواصل مع مركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي للحصول على مزيد من المعلومات. وإذا كنت من مرضى المركز، يمكنك التحدث مع فريق الرعاية الصحية المتابع لحالتك أو حجز موعد مباشرة عبر MyChart.